في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، شهدت منطقة الرفاع بالبحرين استقرار قبيلة السعيد، حيث سكنت في منازل أصبحت تُعرف فيما بعد باسم فريج السعيدي. وقد شكّل هذا الفريج مع امتداده السابق في فريحة السعيد محطة بارزة في تاريخ القبيلة، ومركزًا للحياة الاجتماعية التي اتسمت بالكرم، والضيافة، والترابط بين الناس.
في تلك الحقبة، كان والد الشيخ جاسم بن أحمد بن عبدالكريم السعيدي، رحمه الله، واحدًا من رجالات الرفاع البارزين. فقد فتح مجلسه على الدوام للضيوف والقادمين من قطر والسعودية وبقية دول الخليج. وكان مجلسه يُعرف بـ«ملفى الأجاويد»، حيث يجد فيه الزائر حسن الاستقبال، وطيب الضيافة، وسخاء النفس.
وقد عُرف عن المجلس أنه لا يقتصر على الضيوف فحسب، بل يشمل الجيران أيضًا، إذ كان الشيخ إذا ذبح لضيوفه، أعطى جيرانه من الأمل والبركة، في عادة أصيلة تعكس قيم المشاركة والمحبة التي كانت سائدة في مجتمع الرفاع. وكانت هذه الروح العربية الأصيلة تجعل من الفريج مكانًا مفعمًا بالحياة، لا يخلو من الزوار ولا تنقطع عنه المناسبات.
لقد كانت الخمسينات زمنًا مميزًا في البحرين، حيث امتزجت الحداثة الأولى مع روح الأصالة، وكانت مجالس القبائل – ومنها مجلس السعيدي – شاهدًا حيًا على عمق العلاقات الاجتماعية بين البحرين وأشقائها في الخليج. فالضيف القادم من أي بلد خليجي كان يجد في الرفاع، وخاصة في مجلس السعيدي، مكانًا يُعامل فيه معاملة الأخ والقريب، وهذا ما جعل المجلس قبلة للضيوف ووجهة للأعيان والوجهاء.
ويؤكد المؤرخ والباحث في التاريخ والتراث البحريني، فارس بن جاسم السعيدي، أن ما اشتهر به أهل البحرين وأهل الرفاع خاصة من كرم وضيافة، كان امتدادًا لروح عربية أصيلة متجذرة في النفوس. فالكرم لم يكن عادة طارئة أو واجبًا اجتماعيًا، بل كان نهج حياة يومي، يرسخ قيم التآخي والترابط.
وما يزال مجلس السعيدي حتى اليوم يواصل هذا الدور، ممتدًا بجذوره من فريحة السعيد وصولًا إلى فريج السعيدي، ليبقى شاهدًا على أن الكرم العربي في البحرين لم يندثر، وأن المجالس ما زالت عامرة بروح الأصالة والوفاء، تحمل رسالة الأجداد للأبناء والأحفاد.