تسيطر مخاوف الكثيرين، عند تحليل المواجهة القائمة حاليًا مع إيران، على أن الهدف الأساسي هو السيطرة على مواردها ونفطها، تمامًا كما جرى تصوير الأحداث في فنزويلا سابقًا كصراع على الثروة. لكن القراءة العميقة لما وراء الكواليس تكشف أن السيطرة على فنزويلا لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت المقدمة الاستراتيجية والخطوة التأمينية الأولى التي جعلت المواجهة الحالية في الشرق الأوسط ممكنة دون السقوط في فخ الانهيار الاقتصادي العالمي.
بينما تشتعل المواجهة اليوم، ندرك أن تأمين القرار النفطي في فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي في العالم، كان يهدف إلى خلق البديل الاستراتيجي. فالمواجهة القائمة وضعت صادرات النفط في منطقة الخليج تحت تهديد حقيقي، فالمسألة لا تتوقف عند تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز فحسب، بل تمتد لتشمل احتمال توقف صادرات دول الخليج بالكامل نتيجة الضربات الصاروخية المباشرة التي قد تطال المنشآت والحقول.
لولا السيطرة المسبقة على فنزويلا، لكانت أسعار النفط اليوم قد وصلت إلى أرقام خيالية تشل العالم بأكمله. إن تأمين فنزويلا كان الخطوة (صفر) التي منحت أمريكا الجرأة للدخول في هذه المواجهة، وهي تعلم أن لديها صمام أمان بعيدًا عن مدى الصواريخ المشتعلة في منطقتنا.
المواجهة التي نراها اليوم بدأت فعليًا عندما تم عزل إيران عن حليفها النفطي الأهم في القارة الأمريكية. فمن خلال تحييد فنزويلا، تم تجفيف منابع الدعم المتبادل، وقُصّت أجنحة التحالف المتمرد الذي كان يسعى لكسر العقوبات. لقد دخلت إيران هذه المواجهة وهي مجردة من عمقها النفطي في فنزويلا، مما ضيق عليها الخيارات، بينما يظل سوق الطاقة العالمي مؤمّنًا ببديل ضخم يضمن استمرار الحياة بأسعار منضبطة رغم نيران الحرب.
الحقيقة التي نعيشها اليوم هي أن أحداث فنزويلا كانت عملية تمهيد الميدان بامتياز، حيث لم تكن القوى الكبرى لتسمح بانفجار الأوضاع في الشرق الأوسط قبل أن تضع يدها على مفتاح الأمان في أمريكا اللاتينية. وتأمين فنزويلا لم يكن حدثًا منفصلًا، بل كان الدرع الاقتصادي والشرط المسبق الذي جعل خوض المواجهة الحالية مع طهران ممكنًا دون حدوث مضاعفات تخرج عن السيطرة.